ثلاث مسائل في الاعتقاد: [الصفات بين الإثبات والنفي، رؤية الرسول -صلى الله عليه وسلم- ربه في المعراج ، رؤية الله تعالى يوم القيامة]

بسم الله الرحمن الرحيم 


ثلاث مسائل في الاعتقاد:
الأولى: الصفات بين الاثبات والنفي.
الثاني: رؤية الرسول -صلى الله عليه وسلم- ربه في المعراج.
الثالثة: رؤية الله تعالى يوم القيامة.


الأخ المكرم الاستاذ               حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
أما بعد:
فنشكر لكم جهودكم، وما تبذلونه في خدمة أبناء المسلمين، سائلين الله لكم التوفيق والعون والقبول.
أخي الفاضل..
كلمني الابن عبد الله عن بعض الموضوعات التي طرحتموها على الطلاب.. ويبدو أن الابن لم تضح له الصور في بعض القضايا، ولم يستوعب مثل هذه المسائل.. فلم ينقل لي الصورة واضحة.. ولذا يفضل -إن لم تكن هذه المسائل في المنهج- أن لا تطرح على الطلبة؛ لأنها فوق مستواهم العقلي والعلمي.
ومن هذه القضايا:
تفسير نصوص الصفات:
لا يخفى عليكم؛ أن منهج أهل السنة فيها واضح، كما نقله أئمة الإسلام، وبيان ذلك؛ أن نصوص الصفات، مثل: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]
فيها ثلاث مسائل:
الأولى: معنى السياق العام: أي: معنى الجملة، وسياقها فيما قبلها، وما بعدها.
الثانية: معنى الصفة التي ذكرت في السياق: وهي ها هنا (اليد).
الثالثة: كيفية هذه الصفة: 


فأما معنى السياق العام: فيجوز فيه المجاز، ففي قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} مثلاً، يقال في معنى السياق: إن الله معهم، وإن الله ناصرهم ومعينهم، وغير ذلك، مما يشابه هذه المعاني.
ومن ذلك قوله تعالى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]، أي: بحفظنا ورعايتنا. 


وأما معنى الصفة: وهي ها هنا (اليد) فلا معنى لها إلا (اليد)، وتفسيرها بمعنى (القوة) لا يستقيم من وجوه؛
منها؛ مخالفة ما ثبت عن سلف هذه الأمة في تفسيرها.
ومثل هذه الرسالة لا تسمح بالتفصيل.
وخلاصة مذهب أهل السنة في الأسماء والصفات: (الإثبات مع التنزيه).
فهم الذين يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم-، من غير تشبيه، ولا تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل ..
فيقال: (يد)، ليست كالأيدي التي نراها ونتصورها، وليس لها شبيه البتة، كذلك كان السلف يعتقدون، ويقولون: (أَمِرّوها)، أي: آمنوا بها بلا كيف.


وأما كيفية الصفة: فتفوضه لله عز وجل، فلا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وقد قال تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ..} [الكهف: 51].
فإذا كنا لم نشهد خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسنا؛ التي هي مخلوقات جرمية ماديّة، يمكن مشاهدتها، فكيف نشهد على صفة من صفات الله عز وجل..؟!؟ لذلك يقول أهل السنة: الله تعالى أعلم بكيفيتها.
وهكذا معظم نصوص الصفات، نثبتها ولا ننفيها، إنما ننفي علم كيفيتها، لأن الله سبحانه قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
فأثبت الصفة ولم ينفها أبداً، وإنما نفى المثلية، فكيف لنا بعد أن أثبت الله الصفة لنفسه ولم ينفها.. أن ننفيها عنه.. إن هذا أمر لا يُقبل شرعاً ولا عقلاً، وكأننا نحكّم عقلنا وواقعنا في أخبار ربنا، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، وقال سبحانه: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].
وجعل الله من الكبائر؛ القول عليه بلا علم؛ أي: بلا دليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ ... وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].


ولذلك؛ كان مذهب أهل السنة هو الصواب الذي لا ريب فيه، إذ أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه وعن صفاته، فوافقوا الكتاب والسنة، ومنهج خيرة هذه الأمة، والعقل الرشيد.
وأما نفاة الصفات، فقد خالفوا نصوص الوحي، فنفوا الصفة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، خوفاً من التشبيه الذي أحدثوه في أنفسهم، بدل أن ينفوا المثلية فحسب.
وسبب النفي هو التشبيه، فالذين نفوا الصفات.. إنما شبهوها في أنفسهم ابتداءً، فلمّا لم يستسيغوا ذلك شرعاً ولا عقلاً، لجؤوا إلى النفي، ليريحوا أنفسهم من شناعة التشبيه ونكارته، الذي هو في أنفسهم، من أنفسهم فحسب بلا واقع، ولا حقيقة.


وأما الذين أثبتوا الصفة، وفوضوا الكيفية لله تعالى، فلا يُلزمون بنفي الصفة؛ ولا يوصفون بأنهم مشبهة؛ لأنهم لم يشبهوا أصلاً؛ فالكيفية عندهم غيب، فآمنوا به: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3].
فكيف يتهمون بذلك؟؟

وإثبات الصفات، لا يلزم منه التشبيه، ألا ترى أننا نثبت للقمر وجهاً، وللإنسان وجهاً، وللنملة وجهاً.. فهل في هذا تشبيه، إنما كان التشابه في الإسم لا في المسمى.
وبهذا نَسْلم من التشبيه المنكر، ونَسْلم من نفي صفة أثبتها الله تعالى لنفسه.
وفضلاً عن مصادمة النصوص عند النفاة.. فقد اضطربوا اضطراباً شديدًا.
فمنهم؛ من أنكر بعض الصفات التي وردت.. ونفى أُخرى.. فإن كانوا نفوها خوفاً من التشبيه، لزمهم نفي كل الصفات خوفاً من التشبيه.. لاشتراك العلة.
فيلزمهم نفي صفة الوجه والسمع والبصر والنفس.. إلخ، بل يلزمهم نفي صفة الحياة والعلم.. وهذا يعني؛ أن الله لا شيء، فلا وجه له ولا سمع ولا بصر..ولا يتكلم ولا يغضب.. ولا يحب ولا يبغض ولا يكره.. بل لازم مذهبهم؛ أن لا نفس له سبحانه، لأنه -كما يقول النفاة- لو أثبتنا لله صفة النفس، والإنسان له نفس، لصار ذلك تشبيهاً.


فمن أثبت لله ذاتاً ليست كالذوات، وحياة ليست  كحياة البشر، فكذلك يجب عليه أن يثبت يداً لا كالأيدي، ووجهاً لا كالوجوه.
وفضلاً عن أن النفي مخالف للنصوص المحكمة ثبوتاً ومعنىً، فهو مما لا تقبله العقول السليمة، فكيف أُؤْمِنُ بربٍّ لا يسمع.. وبربٍّ لا يتكلم.. وبربٍّ ليس له نفس أو ذات..
 ولهذا قال أهل السنة عن مخالفيهم:
المشبهة يعبدون صنماً.. والمعطلة يعبدون عدماً.. 
وإذا كان يمكن تأويل اليد بالقوة، فبماذا يؤول الوجه..أو السمع..أو البصر.. وبماذا ستؤول النفس، أو الذات. 
فأي عقول هذه التي لا تُسلّم لله بما وصف به نفسه، وتحكّم عقلها في ربّها، بدل أن تُحكّم ما أنزل الله عليها، {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ..} [الأعراف: 3].

 

المسألة الثانية:
زعم الابن؛ أنكم قلتم: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه سبحانه حين عُرج به.
والصواب؛ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لم يرَ ربَّه البتة.
لقوله -صلى الله عليه وسلم-: حين سأله أبو ذر عن هذا، فقال: (نور أنى أراه).
فعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه-، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» صحيح مسلم (178).
وهذا نفي واضح من النبي -صلى الله عليه وسلم- في ادعاء رؤية الله، وهل بعد قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قول.
وفُسِّر الحديث بمعنين:
الأول: أن الله نور، وهو حجابه عن خلقه، فلا نراه بأبصارنا الدنيوية.
الثاني: أن بينه وبين الله نور، يحول بينه وبين رؤيته سبحانه.
وعلى كل حال، فقوله -صلى الله عليه وسلم- (أنى أراه)، نفي للرؤية، لا تحتاج إلى تأويل، ولا يحلّ مخالفته.
ولذلك قَالَتْ عَائِشَةَ ~: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ»
متفق عليه، أخرجه البخاري(3234)، ومسلم "واللفظ له"(177).

 

المسألة الثالثة:
زعم الابن؛ أنكم قلتم: إننا لا ندري، أنرى ربنا يوم القيامة أم لا ... وذكرتم قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103].
وأظن أن الابن لم يفقه ذلك منكم، وأعتقد أنكم لا تقولون بذلك.
فقد مضى مذهب أهل السنة؛ في أن الله يُرى يوم القيامة.
والأدلة على هذا جلية، ولا تخفى على أمثالكم.
فمنها قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]
ومنها قوله -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في حديث عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. » متفق عليه؛ أخرجه البخاري(4581)، ومسلم(182).

 

وأخيراً: فإن الفلاح كل الفلاح بالإيمان والتسليم، دون معارضة بهوى أو عاطفة أو تفكير أو غير ذلك.
فمن سَلَّم سَلِمَ.. ومن عارض النصوص بعقله فأجره على عقله.. وليس على ربه.. {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا..} [النساء: 125]، وأثنى الله على خليله حين قال: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131].


ولم يثبت عن الصحابة ولا أتباعهم؛ -وهم الذين أُمرنا باتباعهم، وأخذ الدين والفهم عنهم- غير ما ذهب إليه أهل السنة، في ما ذكرنا من المسائل، {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التوبة: 100]
 وكفى بمذهب أهل السنة شرفاً وصحة؛ أنهم هم القرن الأول بخاصة، والقرنان التاليان بعامة، المزكّى منهجهم من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم جاء الذين من بعدهم على آثار الصحابة متبعون، وعلى منهج السلف سائرون، وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وهذا هو الذي يقطع كل خلاف، وهو الذي يوحد الفهم والمنهج الذي نحن أحوج إليه من أي زمان مضى.
والله أعلم.
فإذا كان ثمة إشكال، فيسرُّنا أن نتلقى ذلك منكم.
ووفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضى.
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

وكتبه 

عدنان بن محمد العرعور


 

29-09-2019 353
تعليقات
اترك تعليقك